الغزالي
73
إحياء علوم الدين
وهتك الستر عما يكره كشفه . بل كل ما رآه الإنسان من أحوال الناس مما يكره ، فينبغي أن يسكت عنه ، إلا ما في حكايته فائدة لمسلم ، أو دفع لمعصية ، كما إذا رأى من يتناول مال غيره ، فعليه أن يشهد به ، مراعاة لحق المشهود له . فأما إذا رآه يخفى ما لا لنفسه ، فذكره فهو نميمة ، وإفشاء للسر . فإن كان ما ينم به نقصا وعيبا في المحكي عنه ، كان قد جمع بين الغيبة والنميمة فالباعث على النميمة أما إرادة السوء للمحكي عنه ، أو إظهار الحب للمحكي له ، أو التفرج بالحديث والخوض في الفضول والباطل . وكل من حملت إليه النميمة ، وقيل له إن فلانا قال فيك كذا ، أو فعل في حقك كذا أو هو يدبر في إفساد أمرك ، أو في ممالأة عدوك ، أو تقبيح حالك ، أو ما يجرى مجراه ، فعليه ستة أمور الأول . أن لا يصدقه لأن النمام فاسق ، وهو مردود الشهادة ، قال الله تعالى * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ) * « 1 » الثاني . أن ينهاه عن ذلك ، وينصح له ، ويقبح عليه فعله . قال الله تعالى * ( وأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وانْه َ عَنِ الْمُنْكَرِ ) * « 2 » الثالث . أن يبغضه في الله تعالى ، فإنه بغيض عند الله تعالى ، ويجب بغض من يبغضه الله تعالى الرابع . أن لا تظن بأخيك الغائب السوء لقول الله تعالى * ( اجْتَنِبُوا كَثِيراً من الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) * « 3 » الخامس . أن لا يحملك ما حكى لك على التجسس والبحث لتتحقق اتباعا لقوله تعالى * ( ولا تَجَسَّسُوا ) * « 4 » السادس . أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه ، ولا تحكي نميمته ، فتقول فلان قد حكي لي كذا وكذا ، فتكون به نماما ومغتابا ، وقد تكون قد أتيت ما عنه نهيت وقد روى عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، أنه دخل عليه رجل ، فذكر له عن رجل شيئا . فقال له عمر ، إن شئت نظرنا في أمرك ، فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية * ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) * « 5 » وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية * ( هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ) * « 6 » وإن شئت عفونا عنك . فقال العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدا
--> « 1 » الحجرات : 6 « 2 » لقمان : 17 « 3 » الحجرات : 12 « 4 » الحجرات : 12 « 5 » الحجرات : 6 « 6 » القلم : 11